السيد عباس علي الموسوي

297

شرح نهج البلاغة

( ونطقت حين تعتعوا ) أفصحت عن المسائل المهمة والمشكلات المدلهمة في حين أصيبوا بالعجز والعي ولم يستطيعوا أن يدركوا ما أدركت وقد ثبت أن الخلفاء عادوا إلى الإمام وسألوه عما أشكل عليهم حتى قال عمر قولته المشهورة لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن . . وقوله : لولا علي لهلك عمر . . ( ومضيت بنور اللّه حين وقفوا ) سرت وفق الأمر الإلهي واهتديت إليه ، فإنه عليه السلام فتح عينيه على رسالة اللّه وما رسمته لهذا الإنسان من منهج عقيدي وحركي بينما غيره وقف عن هذا الوحي الإلهي وهذه الرسالة المنجية . . ( وكنت أخفضهم صوتا وأعلاهم فوتا ) وعلى عادة أهل الحركة ، الذين يعملون بهدوء وصمت فقد كان عليه السلام بهدوء المؤمن الواعي الذي لا يملأ الدنيا إعلاما وأخبارا كان يجري نحو الهدف الإلهي المرسوم ولذا مع هذا الهدوء كان له قصب السبق في كل الحقول وعلى كل المستويات وفي جميع الميادين . . ( فطرت بعنانها واستبددت برهانها ) تملك الإمام ناصية الفضائل والكمالات ولم تقدر أن تزّل قدمه في موقف ولذا كان يؤخذ عليه موقفه المبدئي الرسالي الذي لا يساوم عليه ولا يتنازل عنه ، لقد ذهب بالفضائل كلها واجتمع فيه ما تفرق في غيره . وقد انفرد بها وفاز بنتيجتها التي أهلته للإمامة وقيادة الأمة وبالحقيقة لقد كان هذا الرجل يتيم المعدن جاد به الدهر فردا لم يشفع بنظير أو شبيه ، حارت العقول والألباب في تفسيره وبعد تطواف كبير حول أعتاب هذه الشخصية أقرت بالعجز وتيقنت الفشل في الوصول إلى تفسير معقول لهذه الشخصية الإلهية وصدق رسول اللّه الذي قال له : يا علي لم يعرفك إلا اللّه وأنا . . . ( كالجبل لا تحركه القواصف ولا تزيله العواصف ) وأي جبل كان ابن أبي طالب . . كان جبل الإيمان والعقيدة والتقوى وإن الجبل ليفل منه وابن أبي طالب لا يفل منه وقف في حروبه مع النبي موقفا ينفرد فيه ويعز على غيره مثله . . وتلك مواقفه مسطورة مذكورة وضرباته مشهورة مذكورة يتحدث بها الجبناء فتشد من عزائمهم وتطرد فشلهم ويتذكرها أهل الشجاعة فتقوى شجاعتهم وتشتد . . وليس الأمر بمقتصر على فترة النبوة بل في كل مراحل حياته كان ثابت الجنان قوي البرهان لم تفل منه الأيام ضعفا ولم تصبه بوهن وإنما كان يزداد صلابة وقوة وثباتا على الموقف الذي يتبناه ويذهب إليه قال أحمد شوقي أمير الشعراء مخاطبا الإمام قائلا : يا جبلا تأبى الجبال ما حمل * ما ذا رمت عليك ربة الجمل